ابن كثير

262

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وما بعدها ، وأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده ، ثم نسخه قبل الفعل ، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم ، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل ، وأشياء كثيرة يطول ذكرها وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية فلا يصرف الدلالة في المعنى ، إذ هو المقصود ، كما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم والأمر باتباعه ، فإنه يفيد وجوب متابعته عليه الصلاة والسلام ، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته ، وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مغيّاة إلى بعثه عليه السلام ، فلا يسمى ذلك نسخا كقوله : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [ البقرة : 187 ] ، وقيل : إنها مطلقة ، وإن شريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم نسختها ، فعلى كل تقدير فوجوب متابعته متعين ، لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدا باللّه تبارك وتعالى ، ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ ، ردا على اليهود عليهم لعنة اللّه ، حيث قال تعالى : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية ، فكما أن له الملك بلا منازع ، فكذلك له الحكم بما يشاء ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] وقرئ في سورة آل عمران ، التي نزل في صدرها خطابا مع أهل الكتاب ، وقوع النسخ في قوله تعالى : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ [ آل عمران : 93 ] ، كما سيأتي تفسيره . والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام اللّه تعالى ، لما له في ذلك من الحكمة البالغة ، وكلهم قال بوقوعه . وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر : لم يقع شيء من ذلك في القرآن ، وقوله ضعيف مردود مرذول ، وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول ، لم يجب عن ذلك بكلام مقبول ، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس لم يجب بشيء ، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين ، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وغير ذلك ، واللّه أعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 108 ] أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ( 108 ) نهى اللّه تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة ، عن كثرة سؤال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الأشياء قبل كونها كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ [ المائدة : 101 ] أي وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم ، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة ، ولهذا جاء في الصحيح : « إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته » « 1 » ولما سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الرجل يجد مع امرأته رجلا ، فإن تكلم تكلم بأمر عظيم ، وإن سكت سكت

--> ( 1 ) البخاري ( اعتصام باب 3 ) ومسلم ( فضائل حديث 132 ، 133 )